خالد الوسيدي .. قيمة وقامة

 

 

عبدالله سليمان السحيمي @Alsuhaymi37

يجمع المحبون، قبل غيرهم، على دماثة الخلق وحسن المعاملة اللذين اتسم بهما المربي القدير والأستاذ الفاضل الدكتور خالد الوسيدي -رحمه الله، فقد كانت هذه الخصال جزءا أصيلا من شخصيته، سجية راسخة لا تكلف فيها ولا تصنع، تتجلى في حديثه، وتنعكس في تعامله، وتسبق حضوره أينما حل.

تعود علاقتي بأبي عبدالرحمن إلى سنوات بعيدة، جمعتنا زمالة العمل في مركز الغرب، ورافقته حينا كمساعد، والتقينا في ميادين العمل في مواضع اتفاق واختلاف، غير أن الثابت في كل تلك المراحل أنه ظل كما عرفته: واسع الصدر، محترما للآخر، قدوة في سلوكه قبل قوله، ومثالا في الإنصاف والحكمة.

كان -رحمه الله- مدرسة متكاملة في العطاء، لا يقتصر أثرها على الجانب التربوي فحسب، بل يمتد إلى القيم الإنسانية، والعمل المؤسسي، وبناء العلاقات، وصناعة الاحترام.
ترك بصمته في النفوس قبل المواقع، وفي القلوب قبل السجلات، وسيبقى ذكره حاضرا بما غرسه من خلق، وما قدمه من أثر، وما تركه من سيرة عطرة تشهد له ولا تنسى.

وسيظل اسمه مقترنا بكل موقف نبيل، وكل كلمة صادقة، وكل توجيه خلصت فيه النية لله ثم للوطن والإنسان، فقد كان -رحمه الله- يؤمن أن التربية قبل أن تكون تعليما هي قدوة، وأن القيادة الحقيقية تبنى على الاحترام، لا على الموقع أو السلطة.

تعلمنا منه أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأن العمل المشترك لا ينجح إلا حين تصان الكرامة وتحفظ المسافات الإنسانية الراقية.
كان يستوعب الجميع، ويمنح كل من حوله شعورا بالقيمة، ويترك أثرا طيبا حتى في لحظات الحزم؛ لأن الحزم لديه كان عدلا، والعدل خلقا.

رحم الله أبا عبدالرحمن، فقد رحل الجسد وبقي الأثر، وغاب الصوت وبقي الصدى، وستظل سيرته نبراسا يهتدي به من عرفه ومن لم يعرفه، وشهادة حق تروى للأجيال عن رجل عاش كريم الخلق، نقي السريرة، عظيم العطاء.

وإن من الوفاء له أن يستحضر حضوره في ذاكرتنا المهنية والإنسانية، لا بوصفه ذكرى عابرة، بل نموذجا يحتذى حذوه في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى أمثال هذه القامات، فقد كان -رحمه الله- يبني الإنسان قبل المنهج، ويقدم الأخلاق على الإجراءات، ويؤمن أن أثر الكلمة الطيبة قد يسبق أعواما من العمل الرسمي.

لقد رحل أبو عبدالرحمن وترك فراغا لا يملأ بسهولة، لكن ما يخفف وطأة الغياب أن بصمته باقية في تلامذته، وزملائه، وكل من مر في مسار عمله أو تشرف بمعرفته، فكم من موقف صعب لينه بحكمته، وكم من خلاف احتواه بسعة صدره، وكم من تجربة عمل خرجت أكثر نضجا بفضل رؤيته المتزنة.

نسأل الله أن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يرفعه في عليين، وأن يجزيه عنا وعن كل من خدمهم خير الجزاء، وأن يلهم أهله ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان، وسيبقى ذكره حيا ما بقي الوفاء، وما بقيت القيم التي عاش لها، وغرسها، ورحل وهو مطمئن أنها ستواصل النمو في قلوب من عرفوه.

وإن كان من ختام يليق بسيرته، فهو التأكيد على أن أمثال الدكتور خالد الوسيدي -رحمه الله- لا يرحلون حقا؛ لأن حضورهم يتجدد في كل موقف نتذكر فيه حكمته، وفي كل تعامل نستدعي فيه خلقه، وفي كل قرار نحتكم فيه إلى الضمير قبل النص، لقد كان شاهدا على أن الرقي الإنساني ممكن، وأن العمل حين يقترن بالأخلاق يتحول إلى رسالة.

سيبقى أبو عبدالرحمن علامة مضيئة في الذاكرة، واسما يذكر مقرونا بالاحترام والدعاء، وسيرة تروى لا للتفاخر، بل للاقتداء، وما أجمل أن يكون الإنسان بعد رحيله محل إجماع على المحبة، وموضع ثناء صادق من كل من عرفه أو عمل معه.

رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وكتب له أجر ما غرس من قيم، وما علم من علم، وما قدم من إخلاص، وستظل ذكراه نبض وفاء، ورسالة صامتة تقول لنا: هكذا تكون التربية، وهكذا يصنع الأثر، وهكذا يخلد الرجال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
تحتاج مساعدة؟