المغامسي يقرأ قباء على سطور وثيقة

أول صورة لمخطط طريق قباء يعود لأكثر من قرن

الباحث التاريخي أ. فؤاد المغامسي

  عندما تقع بيدنا تلك “الوثيقة” التي هي وعاء لكل مصدر من مصادر المعلومات، سواء كان هذا المصدر مخطوطاً أو كتاباً أو مجلة أو جريدة أو فيلماً أو صورة أو خريطة…. إلخ  ونقرأ ما فيها من احداث وأخبار, وروايات وأوصاف وشرح لتنظيمات ادارية, وقوانين تشريعية, وجدت أنها أقوى الإثباتات الدالة على الأحداث والناقلة للأخبار, والحالة للألغاز, والموضحة للتفاصيل, فقد أدت الوثيقة دوراً هاماً في تصحيح بعض أخطاء المؤرخين سواءً كانت أخطائهم بقصد أو من غير قصد, فالوثيقة تخدم الماضي وتخدم الحاضر.

وقد اهتم المؤرخون اهتماماً كبيراً بالوثائق, لاحتوائها على ما يكشف ويرصد وقائع الأحداث بجوانبه الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والدينية, فالوثيقة بتعريفها البسيط هي: كل ما دونه الإنسان وتركه للأجيال.

أما الوثيقة الأرشيفية والتي أعنيها من خلال سلسلة مقالات ” قراءة من وثيقة ” هي الوثيقة المحفوظة في مراكز حفظ الوثائق التي تحمل معلومات تاريخية وقانونية , والتي كانت في يوم ما معلومة حية تتعامل بها الدوائر الحكومية مثل الوزارات والدواوين وهي كما يسميها البعض (الوثائق الإدارية), والمؤسسات الإعلامية التي تصدر الأخبار مثل الصحف الرسمية.

وقراءة الوثيقة هي ما دونته الوثيقة بين اسطرها وحُفظت لنا لنُخرجها الآن ونتحاكى عن المدينة وعن زمانها فإن كانت وثيقتنا مكتوبة بالمداد ستحدثنا بكل زواياها المعرفية ونسبر غورها, وإن كانت صورة بصرية أو فيلماً سنرى تغير الزمان ونختصر الوقت في الوصف فتاريخ المدينة المنورة يحكى ووثائقها تروي الكثير.

 وحديث وثيقتنا عن قباء تلك القرية التي تبعد عن قلب المدينة المنورة المتمثل بالمسجد النبوي الشريف بـ5 كم تقريباً , لهذه القرية تاريخ مهم في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي وكذلك لها مكانة مهمة في قلوب المسلمين الزائرين إلى المدينة المنورة فبها كان أول نزول للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق ابو بكر رضي الله عنه وبها أسس أول مسجد في الإسلام  قال تعالى : {{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فيه رِجَالُ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ}}. (التوبة: 107-108 ) وقد ورد كذلك في السنة المطهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة)  صححه الألباني ,هذا في فضل ومكانة مسجد قباء الذي يقع في قرية قباء .

وصف الوثيقة:  تاريخها يعود لعام 1304هـ/1887م , وهي عبارة عن مخطط هندسي لطريق قباء العام, من باب قباء إلى حدائق قباء المحيطة بمسجده, وباب قباء أحد أبواب السور الخارجي التي كانت تحيط بالمدينة المنورة, ويقع في الجهة الجنوبية الغربية, ويعتبر هو الباب الوحيد من الجهة الجنوبية النافذ لداخل المدينة إلى أن هدمت الأسوار في العهد السعودي عندما عم الأمن والأمان, ويظهر في الوثيقة, الخط المستقيم من باب قباء باتجاه الجنوب ثم يتفرع الطريق الى فرعين على شكل  شبه معين ينكسر من اليمين وممتد من اليسار, والمخطط يفصل المساحة الفاصلة بين الطريقين حتى نقطة التقائهم قرب مسجد قباء, كما يظهر في المخطط الوثائقي قلعة قباء وموضح فيها اتجاه الباب, كذلك المساحة بالذراع المعماري .

وقد مر طريق قباء في العهد السعودي بعدة مراحل تطويرية ففي عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود كانت التطور الحقيقي للطريق حيث تم نزع المزارع التي على طول الطريق حيث تم تعوض الملاك وفق لجنة حكومية, ومع مرور الزمن أصبحت المحال التجارية والأبنية الحديثة المسلحة في عهد الملك سعود تنتشر وتم سفلتة الطريق وتخطيطه وعرف الطريق بإسم (طريق قباء الطالع والنازل).

وأما الآن أشرف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة على مشروع تطوير (جادة قباء) ضمن برنامج أنسنة المدينة المنورة, وأصبح الطريق المشابه لما في هذه الوثيقة التي هي مخطط  يعود لأكثر من قرن, وجهة سياحية تربط بين أهم موقعين في المدينة المسجد النبوي ومسجد قباء.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
تحتاج مساعدة؟