غير مصنف

إرث البليهشي.. حين يتحول القلم إلى مدينة

إرث البليهشي.. حين يتحول القلم إلى مدينة

بعض الآباء يورثون أبناءهم اسما، وبعضهم يورثهم مالا، وقلة نادرة تترك لأبنائها ما هو أثمن: رسالة.

وهكذا يبدو إرث الأديب والتربوي والمؤرخ الاستاذ محمد صالح البليهشي رحمه الله ؛ فالرجل الذي انشغل طوال حياته بالمدينة المنورة، يقرأ تاريخها، ويرصد تحولاتها، ويكتب عن إنسانها ومكانها، لم يترك بعد رحيله مؤلفات تحفظ اسمه فحسب، بل ترك امتدادا بشريا يواصل حضور الفكرة في ميادين مختلفة.

كان البليهشي يعرف أن المدينة ليست مكانا يسكن، بل ذاكرة تحفظ.

لذلك كتب عنها في “المدينة اليوم”، ووثق مرحلة من تاريخها في كتابه عن المدينة المنورة في عهد الملك عبدالعزيز، وذهب أبعد من حدود المدينة إلى وادي الفرع، يلتقط من التاريخ ما قد يضيع في زحام الحاضر.

لكن المفارقة الاجمل أن الرجل الذي قضى عمره يحرس ذاكرة المدينة، ترك أبناء انصرف كل منهم إلى خدمة دينه ووطنه ومجتمعه، كل في مجاله، فكانوا امتدادا للقيم التي عاشها والدهم، لا مجرد امتداد لاسمه.

ففي الميدان التربوي، جاء ابنه الأستاذ قاسم محمد صالح البليهشي؛ معلما، ثم مديرا، ثم مشرفا تربويا، قبل أن يتولى قيادة إدارة تعليم الكبار بالمدينة المنورة. ولم تكن تجربته مجرد منصب إداري؛ فقد ارتبط عمله بالتعليم المستمر ومحو الأمية والتدريب والتطوير، وأسهم في خدمة الميدان التربوي عبر سنوات من العمل والعطاء.

واللافت أن قاسم لم يكتف بأن يكون ابن المؤرخ، بل أصبح حافظا لسيرته؛ فأصدر كتاب “رجل الوفاء: محمد صالح البليهشي”، وكأن الابن الذي عاش التعليم امتدادا لرسالة أبيه، أراد أن يرد للوالد بعضا مما منحه له: أن يكتب عنه كما كتب الأب عن الناس والمكان.

ثم يأتي المهندس فهد محمد صالح البليهشي في المشهد من زاوية اخرى؛ لا مؤرخا للمدينة، ولا تربويا في مدارسها، بل مسؤولا عن جانب من إدارة حاضرها وصناعة مستقبلها. فهو أمين منطقة المدينة المنورة، والرئيس التنفيذي لهيئة تطوير منطقة المدينة المنورة، ويعمل في قلب منظومة تنموية واسعة تتصل بالتخطيط والتطوير وجودة الحياة والاستدامة والتحول الحضري.

أما بقية أبنائه، فلم يكونوا بعيدين عن هذا الإرث؛ فقد حمل كل واحد منهم نصيبه من المسؤولية، ومضى في طريقه لخدمة دينه ووطنه ومجتمعه، في مجالات مختلفة ومواقع متعددة. وهو ما يجعل الحديث عن أبناء البليهشي حديثا عن أسرة لم تجعل من إرثها مجرد اسم، بل حولته إلى عمل وعطاء ومسؤولية.

هنا تتضح الحكاية.

محمد صالح البليهشي كتب: كيف كانت المدينة؟

قاسم البليهشي عمل: كيف نبني الإنسان؟

وفهد البليهشي يعمل: كيف تكون المدينة في المستقبل؟

وبقية الأبناء حملوا، كل في مجاله، رسالة الخدمة والعطاء.

مسارات مختلفة، لكنها في جوهرها سؤال واحد: كيف نخدم الدين والوطن والمجتمع؟

وهذه هي قيمة الإرث الحقيقي.

فليس مطلوبا من الأبناء أن ينسخوا آباءهم؛ بل أن يحملوا القيم التي عاش بها الآباء إلى زمن مختلف. ومحمد صالح البليهشي لم يترك أبناء يكررون تجربته، وإنما ترك أبناء يواصلون المعنى نفسه بأدوات جديدة.

الأب حمل القلم.

والابن حمل رسالة التعليم.

والابن الآخر حمل مسؤولية التنمية.

وبقية الأبناء حملوا، كل في مجاله، معنى الخدمة والعطاء.

ولذلك فإن رحيل البليهشي لا يقرأ فقط بوصفه غياب أديب ومؤرخ وتربوي؛ بل بوصفه لحظة تستحق التأمل في معنى أن يترك الإنسان أثرا يتجاوز حياته.

لقد كتب محمد صالح البليهشي ذاكرة المدينة، ثم ترك من بعده من يخدم إنسانها ويشارك في صناعة مستقبلها، ومن يخدم دينه ووطنه ومجتمعه.

وربما لا توجد شهادة أصدق على حياة رجل من أن ترى أفكاره تمشي على الأرض بعد رحيله.

رحم الله محمد صالح البليهشي؛ فقد ترك للمدينة كتبا تحفظ ذاكرتها، ولأبنائه رسالة تحفظ امتداده، وللاجيال درسا بليغا:

أن أجمل ما يرثه الأبناء عن آبائهم ليس الاسم وحده، بل المعنى الذي يمنح الاسم قيمته، والأثر الذي يمنحه الخلود.

عبدالله بن سليمان الرويثي
رئيس مجلس ادارة جمعية عيون طيبة الخيرية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى